الأولىرأيسياسة

الربيع العربي في موجته الثانية

بقلم: د. طارق ليساوي

تنوعت التحاليل الآراء و المواقف حول الواقع العربي بعد 2011،  و تباينت المواقف بين مؤيد للثورات الشعبية ووصفها بالربيع العربي، و بين من إعتبرها نكوصا للخلف و خدمة لأجندات أجنبية غايتها تقسيم المنطقة، و أن حركة الشارع تسير دون بوصلة، و الواقع أن كلا الموقفين يحتملان قدرا من الصواب و الخطأ، خاصة مع انحراف مسار معظم ثورات الربيع، و اتجاهها نحو إعادة تدوير أنظمة فاسدة مستبدة، و تبني سياسات خاطئة لا تعبر بالمطلق عن الشعارات و الآمال التي رفعها المحتجين في مختلف ساحات و ميادين العالم العربي، غير أن الشعوب العربية كان لها رأيا أخر، وهو ما لحظناه في الموجة الثانية من “الثورات” العربية التي عمت السودان و الجزائر و تونس و انتقلت شرارتها إلى مصر…

الموجة الثانية و كما توقعنا منذ فترة، لن تكون على نفس منوال الموجة الأولى، فالرأي العام العربي بلغ درجة من النضج و تعلمت الشعوب من أخطاء الماضي، فمن حسنات السنوات الماضية أنها كشفت النوايا التي كانت في الصدور و جعلت الرؤيا أكثر و ضوحا، فعملية الصهر و المخاض أفرزت الصالح و الطالح و الشعوب أصبحت أكثر إدراكا لمن يخدم مصالحها و تطلعاتها و من يعاديها و يقيد تطلعاتها..

فالحشود الشعبية التي خرجت في 2019 ليست هي تلك التي خرجت في 2011، حشود 2019 أكثر نضجا في تعاطيها مع المعطيات الداخلية والخارجية ، حشود 2019 أكثر يقظة و أكثر إصرارا على تحقيق مطالبها و أكثر إدراكا لما يحاك ضدها في السر و العلن، وظهر ذلك جليا من موقف الشعب السوداني الذي لم يترك الساحات و الميادين حتى تأكد من تحقيق جل مطالبه، ورفض ترك السلطة للعسكر ، خشية من تكرر  الدرس المصري، أيضا استمرار الشعب الجزائري في احتجاجاته المطالبة بالقطيعة مع النظام السابق و إقامة حكم مدني يعبر عن إرادة الشعب، و قد نجح إلى حد الساعة في فرض إرادته و الحكم على بعض  رموز النظام بالسجن 15 عاما  خطوة في الطريق الصحيح ، و إن كانت في نظرنا غير كافية لأن إسترداد الثروات المنهوبة أحد أهم خطوات الإنتقال الحقيقي للسلطة و بداية جادة لعقد إجتماعي جديد، لكن مهما يكن فما حدث في الجزائر خطوة إيجابية نحو المستقبل …

نفس المشهد الإيجابي تحقق في تونس لكن عبر صناديق الاقتراع، إذ حاول الشعب التونسي تصحيح مسار الثورة و قطع رؤوس المتلاعبين بالشعب عبر اختيار شخصية سياسية مغمورة خارج الصندوق، لكن تعبر بحق عن تطلعات غالبية الشعب التونسي، في رفض واضح لمعظم رموز المرحلة التي أعقبت ربيع 2011 ، فنتائج الإنتخابات الرئاسية عبرت عن فشل رموز و سياسات هذه الحقبة، غير أن هذه الحقبة لم تكن سلبية بالمجمل فنجاحها في ترسيخ للتداول على السلطة عبر صناديق الإقتراع ، يعد في حد ذاته إنجاز للشعب التونسي و نخبه بمختلف مشاربها و إنتماءاتها الحزبية و الأيديولوجية… فما حصل في تونس خلال الأسبوع ما قبل الماضي  لم نشهد له مثيلا إلا في البلدان الغربية ذات الديمقراطيات العريقة، فالشعب التونسي صاحب الحلول الخلاقة ، علم الشعوب العربية درسا جديدا في إمكانية التغيير السلمي و الأمن عبر توظيف السوط الانتخابي…

والواقع أن الوصفة التونسية ينبغي التعامل معها بجدية و موضوعية، و الحرص على تعميمها في باقي البلاد العربية، فالمدخل الحقيقي للتغيير هو الاحتكام لإرادة الناخب وضمان حقه الكامل في التعبير عن إرادته، فكما لعب الشعب التونسي دورا محوريا في تفجير ثورات 2011، هاهو مجددا يرشد الشعوب العربية إلى ألية أمنة للتغيير، آلية تحد من فاعلية التدخل الأجنبي و الصناديق السوداء في تحديد نوعية الحكام و رسم السياسات العمومية..

ومصر في وضعها الراهن أشد حاجة  للمنهجية التونسية   لتجاوز محنتها، والانتقال من حكم السيسي الذي دمر مصر وشعبها ، والخروج من الحلقة المفرغة التي عاشتها مصر منذ الانقلاب على الرئيس الشهيد محمد مرسي..

فالاحتجاجات التي شهدتها مصر يوم الجمعة الماضية، والتي رفعت شعار رحيل السيسي والمناهضة لحكم العسكر سوف تنجح  – بنظرنا- في الإطاحة بحكم السيسي، لكن ما حدث بعد 2011 لن يتكرر مرة أخرى في مصر، فقطاع واسع من قيادات الجيش المصري وقطاعات واسعة من رجال السياسة والإعلام والفكر والثقافة في مصر فقدوا مصداقيتهم، وثبت خداعهم ومكرهم بالشعب المصري، فالأيام والأسابيع القادمة في مصر ستكون حبلى بالأحداث، وعلى درجة كبيرة من الأهمية ليس لمصر فقط بل لمجمل العالم العربي…

فانهيار حكم السيسي مطلب شعبي من المحيط إلى الخليج، فعمالة الرجل  وتأمره على مصر وشعبها ، بل وإنخراطه الواضح والغير مسبوق في خدمة مصالح الكيان الصهيوني، في معارضة صريحة لمصالح مصر وحقوق الشعب الفلسطيني أصبح من المسلمات، وسكوت الشعب المصري على عمالته لا يليق بشعب مصر وتاريخه المشرف في مقاومة الغزاة والمحتلين، بل إن الإطاحة بالسيسي ستؤدي إلى الإطاحة بداعميه وفي مقدمتهم حكام السعودية والإمارات، فبنظرنا موجة الربيع العربي الثانية ستشمل أيضا بعض بلدان الخليج، نتيجة لدورها السلبي في إحباط الربيع العربي و تبنيها لأجندة دموية مناهضة لحق الشعوب في تقرير مصيرها وما صاحب ذلك من تبديد لثروات شعوبها و تكالب على حقوق الأمة  ..

فالحلقة المفرغة التي عاشتها بلدان  الربيع العربي طيلة السنوات الماضية، هي بالدرجة الأولى نتاج لمؤامرات خبيثة، شارك فيها سدنة الأنظمة البائدة بتمويل من  بعض حكام الخليج، فبعض حكام الخليج خاضوا حروبا استباقية حماية لعروشهم وترهيبا لشعوبهم، غير أن ما أرادوه و خططوا له، لم تكن ثماره كما اشتهى هؤلاء السادة ، فالخوف من الحرية ومحاربة المد التحرري والإصلاحي يعجل بخراب “العمران” على حد تعبير “ابن خلدون”،  ف”عصبية” حكام الخليج القائمة على القبيلة والمال وتوظيف الدين تتجه حتما إلى الضعف والتفكك، بل ما اتخذوه من قرارات للتدخل السافر في إعاقة إرادة شعوب المنطقة يعجل باتجاه تسارع وثيرة تفكك  وانهيار أنظمة الحكم في الخليج ..

وفي هذا السياق لا ينبغي إهمال الدور البطولي والمحوري للشعب اليمني الذي جعل حلف المتآمرين ينكمش على ذاته، فغرق الإمارات و السعودية في المستنقع اليمني، كان بشير خير على شعوب المنطقة العربية من الرباط إلى المنامة، فالسيولة المالية لهذه البلدان المتآمرة تم استنزافها في تمويل العدوان على الشعب اليمني من جهة، و أيضا من خلال دفع الجزية للسيد “ترامب” ، الذي بالرغم من رعونته و عدائه للعرب و المسلمين، إلا أن أسلوبه في التعامل مع حكام الخليج و فرضه الجزية على أنظمتها مع كشفه للمستور،مثل هدية تاريخية للعالم العربي، فقد كفانا شرهم و لجم طموحهم المرضي و التخريبي…

و تركيزنا على دور بعض حكام الخليج هو نتاج للدور السلبي الذي تلعبه السياسات الغير سليمة التي تم انتهاجها من قبل حكومة الإمارات و السعودية في السنوات الأخيرة، فهذه السياسات أضرت بشعوب الإقليم ، بل سيمتد أثرها السلبي إلى بلدان الخليج ذاتها، فالتحدي الآني هو إعادة الأمور إلى مجراها الطبيعي، و ترك الشعوب تختار طريقها، و البحث عن مصالحة و تسويات سلمية توقف شلال الدم في كل بؤر الثوثر في الإقليم العربي…فمن يعتقد من الحكام انه سينتصر ضدا عن إرادة شعوب المنطقة فهو واهم تماما، جل ما يفعله هؤلاء الحكام هو توسيع دائرة الحقد بين الشعب الواحد من جهة وبين شعوب الإقليم من جهة أخرى..

فعلى الرغم من حالة الانهيار في جسد الأمة، إلا أن إمكانية العلاج لا تزال قائمة، فالبحث عن الحلول الوسط و الانتقال التدريجي، والابتعاد عن التطرف لدى كلا الجانبين بإمكانه أن يساعد على إعادة المناعة لجسد الأمة… وهذا الأمر ليس بالسهل لكن ليس بالمستحيل، فهذه الأوطان بها رجال و نساء في كلا الجانبين -المعارضة والحكم-، على درجة من الكفاءة وحب هذه الأوطان، ولهم من العقل و الحكمة ما يكفي لصياغة عقد اجتماعي جديد يرسخ للسلم الاجتماعي والتقدم الحضاري، لكن نتمنى صادقين أن يتم تغليب صوت الإنسان، بدل هذا الانصياع المحموم لصوت التسلط والشهوانية الجارفة.. وأستطيع الجزم بأن السنوات الماضية بمأسيها وحمولتها السلبية في الأغلب، كانت كافية لخلق وعي جمعي بضرورة تجنب أخطاء المرحلة السابقة فعملية إستئصال الحكام المستبدين لا تكفي في حد ذاتها، ما لم تكن مصحوبة بخطوات لاحقة وتضحيات متتالية تتوخى بدرجة أولى بناء المستقبل على أسس سليمة دون حاجة إلى الغرق في مستنقع الماضي ومخلفاته، نعم ينبغي محاسبة المفسدين و إسترداد الحقوق إلى أهلها  عبر الأليات القضائية والزجرية المعترف بها في أغلب التجارب الدولية التي نجحت في تحقيق إنتقال ديموقراطي حقيقي، مع الإبتعاد قدر الإمكان  عن خطاب الثأر والإنتقام…وبنظرنا، ما حصل في السودان والجزائر وتونس خلال الفترة الأخيرة خطوة إيجابية نحو الطريق الصحيح.. لكن ما سيحدث في مصر سيكون من دون شك” رمانة الميزان” في ترجيح كفة إرادة الشعوب وتطلعاتها المشروعة  وكسر حلف الخونة و المتأمرين …  “هذا بيان للناس وهدى و موعظة للمتقين” (الآية 138 آل عمران) .. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

* أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي، أستاذ العلوم السياسية.

 

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *