الأولىتقاريررأيسياسةمرأةملفات

رأي: أبعاد ونقاش قانوني في اعتقال الصحفية هاجر الريسوني بعين خبراء وبميزان “الخطوبة”

السلطة الرابعة

 

شغلت قضية اعتقال الصحفية هاجر الريسوني بال الجسم الإعلامي المغربي، والتي بدأت خيوطها يوم السبت الماضي حين تلقت صديقتها هاتفا يخبرها أنها بضيافة الشرطة بالرباط.

السلطة الرابعة استنطقت الموضوع، وحاولت الاتصال بخبراء بالقانون، وبفصول مدونة الأسرة لوضع علاقة “مفترضة” هي خطوبة بحسب رواية أخبار اليوم بمجهر القانون، بعيدا عن موقف هذا الطرف أو ذاك.

حدث اعتقال الصحفية هاجر الريسوني الذي هز الرأي العام وأثار موجة استنكار واسعة في توقيت حساس يعيش عليه البلد وفي الوقت الذي تقبر فيه تحقيقات عن فواجع تهم المغاربة وكان من المنتظر الكشف عنها بنفس السرعة التي يتم فيها طبخ ملفات للمعارضين والمناضلين والنشطاء والبسطاء والفقراء والفضلاء والعقلاء بهذا البلد، سواء أصحت التهم الصغيرة أم لا، بالمقارنة مع ملفات البلد الكبرى والنهب الجاري يوميا في كل القطاعات والمؤسسات. يجد الناس العكس، بتعبير متابعين. يتم عد أنفاس المعارضين و”صنع” ملفات لهم لإخراس الأصوات والزج بهم في السجون فيما بات يعرف بسياسة “العصا” للمزعجين، والرضا والريع للمطبلين.

في هذه المحاولة القانونية المحضة لمقاربة الموضوع، يسر إلينا قانوني خبير العديد من الخروقات. فعدد بعضها، وهي أولا:

كان هناك خرق لسرية البحث بتسريب معلومات وحيثيات اعتقال صحفية لم يحسم القضاء بعد بملفها قانونيا بما يعد ضربا في العمق لقرينة البراءة، ولم ينته التحقيق في الملف بعد، وتم استباق مؤسسة القضاء بضغط إعلامي وحملة تشهيرية كبيرة، مما يوضح أنه كانت هناك “نية” كيدية بالموضوع حسب خبير قانوني للسلطة الرابعة، وأن عددا من الأقلام أصدرت الحكم قبل مؤسسة القضاء دون الاطلاع على حيثيات القضية، وبما يضرب في الصميم تحقيقا شفافا ونزيها وعادلا “المفترض والطبيعي” يحترم المساطر وسريتها حتى يقول القضاء كلمته، مما يكشف أمورا لا تشرف بلدنا بتاتا.

يضيف ذات الخبير الذي رفض الكشف عن اسمه، الخرق الثاني: بعد خرق سرية البحثـ، يأتي سلاح التشهير الذي يجرمه القانون، وفصول الصحافة والنشر بالإضافة لميثاق أخلاقيات المهنة، والذي لم يجد ردا ولو محتشما من النقابة الوطنية للصحافة أو المجلس الوطني، أو وزارة الاتصال المشرفة على المجال، فيما عمد “البعض” إلى الانخراط في “الحملة” متناسيا أن ذات القانون الذي قد يطالب بتنفيذه ينتهكه ببشاعة وينتقي منه ما يقضي ويطحن “خصما” مفترضا.

الخرق الثالث هو عدم تمتيع الصحفية بحالة السراح التي يكفلها القانون مع انعدام حالة التلبس وتوفر شروط الحضور في علاقة لا يجرمها القانون ويعترف برابطة الخطوبة وحتى في حال وجود حمل منها. وجود رابطة قانونية تنص عليها مدونة الأسرة، وهي “الخطوبة”، والتي اعتبر القانون في شق منها، مع افتراض حدوث حالة حمل، كما في الحالة التي بين أيدينا “على افتراض وجوده” في حالة الصحفية هاجر الريسوني وهي بفترة خطوبة “افتراضا دائما بحسب الرواية الرسمية المسربة”، فإنه ينسب للزوجين ويوثق عند تعذر توثيق عقد الزواج. رابطة “الخطوبة” التي اعترف القانون بصحتها، بل ذهب أبعد من ذلك بجعلها أقرب للزواج في حال تعذر توثيقه، وهي الحالة التي ذهبت إليها جريدة أخبار اليوم حين تحدثت عن زواج مختلط، وضرورة تعقد مساطره في حالة “زوج” هاجر الناشط الحقوقي السوداني.

وتقول المادة 156 من مدونة الأسرة: “إذا تمت الخطوبة، وحصل الإيجاب و القبول وحالت ظروف قاهرة دون توثيق عقد الزواج وظهر حمل بالمخطوبة، ينسب للخاطب للشبهة إذا توفرت الشروط التالية:
أ‌- إذا اشتهرت الخطبة بين أسرتيهما، ووافق ولي الزوجة عليها عند الاقتضاء؛
ب‌- إذا تبين أن المخطوبة حملت أثناء الخطبة؛
ت‌- إذا أقر الخطيبان أن الحمل منهما.

وبالتالي، وحسب نفس المصدر القانوني مع هذه المادة وحتى في حالة افتراض وجود حمل، فإن الحمل في هذه الحالات مع حدوثه في حال الخطوبة لم تنكره مدونة الأسرة ولم تجرمه، بل جعلت له سندا قانونيا يرجع إليه، واشترطت وجود ظروف قاهرة لتوثيق العقد وتركت مساحة رمادية واسعة للاجتهاد القضائي والتفسير. ولربما المتوفرة في حالة هاجر وزوجها السوداني الذي يحتاج ملف عقدهما إلى مدة طويلة، وهي حالة تعترض كثيرا من المغربيات اللواتي يتزوجن بالخارج أو وجود زوج أجنبي، ويحتجن لإجراءات طويلة للحصول على عقد مغربي في حال تأخر إعداد وثائق الملف وتعقد الإجراءات. والحال أنه تمت قراءة الفاتحة بحسب رواية أخبار اليوم وهناك موافقة الأسرتين، وولي الزوجة متوف فهو زواج صحيح من الناحية الشرعية وقائم. ومن الناحية القانونية خصصت له مدونة الأسرة استثناء يستوعب حالات القهر، مما يجعل الحالة تشبه زواج “الفاتحة” الذي يعمل المغرب منذ سنوات من أجل حل معضلته ولا يجرمه كذلك ولا يتابع أصحابه، وهو مستمر إلى اليوم، ولم يقل النص القانوني بأنه علاقة غير شرعية وإلا لتم الزج بعدد كبير من “الزيجات” التي تتم بالبادية دون عقد، بل باتفاق الأسر وإعلان النكاح وفي سن مبكرة أيضا.

إذن نحن جميعا، وحتى في حال تصديق الرواية المروجة، أمام وجود إقرار قانوني بإمكانية حدوث حمل أثناء فترة الخطوبة، وأمام حالات قانونية لصعوبة توثيق العقد، ومدونة الأسرة جعلت له استثناء يواكب الحالات القهرية، وزواج “الفاتحة” المنتشر بكثرة، ودعوى ثبوت الزوجية الذي يتم اللجوء له لتسجيل الأبناء في الحالة المدنية، فنحن أمام علاقة قانونية قائمة، جعل لها المشرع حلولا لمعالجة الملفات التي تعرض يوميا على محاكم مدن البلاد وقراها.

الخرق الرابع الذي يمكن الحديث عنه بحالة الصحفية هاجر الريسوني، هو غياب حالة التلبس، بحسب رواية أخبار اليوم، التي استقتها من المعنية مباشرة ومن محاميها، مما يفنذ روايات غالطت الرأي العام ويعد جريمة في حق الصحفية هاجر الريسوني وقذفا صريحا ومسا بحقها كمواطنة قبل أن تكون صحفية.

الخرق الخامس، وهو الطريقة التي تم “الإيقاع” بالصحفية بها، والتي تحكي أن عناصر بزي أمني أوقفتها بالشارع العام، مما يوضح أن الصحفية كانت موضوع متابعة وترصد وأن رواية مراقبة الطبيب بعيدة عن الواقع، وإلا لما اختيرت الصحفية هاجر الريسوني بالضبط، والمغرب يعرف 800 حالة إجهاض يوميا، لم يتم توقيف واحدة منها يوما أو شهر بها  أو تعرضت لكل هذه الحملة، مما يوضح أننا أمام حالة “خاصة” بإجراءات أمنية خاصة.

وهو ما ذهب إليه الخبير والمتخصص القانوني الدكتور عمر إحرشان حين قال: “الأنباء تشير الى اعتقالها من الشارع من طرف عناصر أمن لتفاجأ بتهمة الاجهاض رفقة خطيبها الأستاذ الجامعي السوداني وهم كانوا على أهبة إقامة زفافهما أواسط هذا الشهر.. الطبيب ينفي ..وهاجر تنفي.. والخطيب ينفي..ومع ذلك ما تزال رهن الاعتقال.
ليؤكد الأستاذ الجامعي:”تنضاف قضية هاجر الى قضايا التشهير التي تتزايد يوما بعد اخر تجاه كل من يغرد خارج السرب ويعبر عن رأي مختلف يصنفه البعض في خانة الازعاج .

ثم أردف:”لا يمكنني شخصيا تصديق مثل هذه التهم حين تكون ملابسات الاعتقال بهذه الطريقة. لأن الشكل يحدد المضمون ولأن طريقة نشر الخبر من طرف بعض محترفي التشهير هي نفسها في القضايا السابقة.. وحيثيات الاعتقال غير بريئة وتنم عن استهداف مسبق.”

ومما زاد هذه القراءة قوة أن الطبيب لم يكن بعيادته بحسب أخبار اليوم، بل تمت المناداة عليه و”تلبيسه” تهمة إجراء إجهاض مفترض بعيادته، وهو ما نفاه التقرير الطبي المنجز بأمر من النيابة العامة.

وجود “الخطوبة”، وقراءة الفاتحة وموافقة الأسرتين، ووضع ملف الزوجين وتحديد موعد زفاف قريب منتصف هذا الشهر بحسب خبير قانوني يشتغل على ملفات مشابهة،  يعدم كل عناصر المتابعة التي حركتها النيابة العامة والتي قالت بوجود علاقة غير شرعية بسرعة “الفساد”، ضاربة عرض الحائط مدونة الأسرة وموادها التي أقرت بهذه الرابطة “الخطوبة” وما يمكن أن ينتج عنها، وحتى في حال وجود حمل بهذه الفترة، وهي حالات قانونية تعرض يوميا على المحاكم ويتم معالجتها ونسب الأولاد للأزواج وتوثيق العقد بسرعة دون كثير تعقيد بتيسير المساطر وتبسيطها، بناء على المادة 156 التي أثارت جدلا كبيرا وسط القانونيين ولازالت والتي تحتمل التأويل.

الخرق السادس وهو يهم التقرير الطبي الشرعي الذي أكد أن الطبيب نفى حدوث إجهاض تحت إشراف طبيب بعيادته، وأن الطبيب نفسه نفى، وهو ما نفهم منه أننا أمام محاولة “تلبيس” الصحفية تهما تبرر “العملية” برمتها وتزج بها في غيابات السجون.

وبالموازاة مع هذا النقاش القانوني، وفي مواقع التواصل الاجتماعي وفي ثنايا الجسم الإعلامي، تم الترويج لصورة الصحفية هاجر الريسوني مع والدي الزفزافي كأنها تهمة تستوجب العقاب مما يعري جهلا كبيرا وخلطا خطيرا، وهو ما يستدعي إعادة التوعية بدور الإعلام في مقاربة كل القضايا الوطنية، ليس بالضرورة بالاتفاق التام مع أصحابها، أو تبني مواقفهم جملة وتفصيلا او التنكر لهم، ولكن أمانته ومسؤوليته وعمله، الحرص على نقل كل الآراء بأمانة ومسؤولية وفسح وفتح المساحات أمام الجميع بما يخدم صورة البلد الديمقراطي الحريص على حرية التعبير والرأي والمواقف مادامت سلمية وحمالة بحب الوطن والغيرة عليه وجامعة لأولاده، أتفق الناس معها أو اختلفوا.

من المستهدف؟

-أولا الصحفية نفسها، والاسم العائلي الذي تحمله.

-أخبار اليوم.

-العم أحمد الريسوني الذي وردت جملته في كل القصاصات التشهيرية، لضربه بسلاح الأخلاق بكونه إسلاميا ورئيس الاتحاد العالمي للمسلمين.

  • الصحفي سليمان الريسوني قريب الصحفية كذلك الذي دافع عن توفيق بوعشرين وعن أخبار اليوم بعز أزمتها وافتتاحيته تصدر كل أسبوع.

-أصحاب الرأي والمناضلين والصحفيين ومن لهم موقف ممانع للفساد وللوضع وغير راضين وكل من يفكر بالتغريد خارج السرب الرسمي.

ماذا سيجني البلد من كل هذا؟

بعيدا عن هذا الموقف أو ذاك، الرسمي منه  والغير الرسمي، وبحسب متابعين يحملون هم هذا البلد، يخسر البلد مزيدا من النقاط حقوقيا وسياسيا ويؤكد التوجه الذي يعتمد سياسة الردع العام، ويزداد منسوب عدم الثقة بمؤسسات الدولة، ويتأكد يوما عن يوم صناعة الملفات إما لترويض أصحابها أو لثنيهم عن مواقفهم أو إخراسهم للأبد.

بالمقابل هناك تحقيقات تفتح، لا تجد هذه السرعة وهذا التجند و هذه”الإنجازات” الأمنية التي تبذل فيها مجهودات كبيرة بل وخارقة وبدرجة عالية من التنفيذ والحرص كأننا أمام ناهبة للمال العام بمواكبة إعلامية كبيرة وواسعة، بل أن متابعين بسخرية متأسفة، ذهبوا إلى أكثر من هذا، بالقول:”لو أن عشر هذه المجهودات والإرادة السياسية الرسمية اتجهت للمتورطين بالفساد لزجت بهم بالسجن ولطهرت البلد منهم” ولرأينا تنويها شعبيا كبيرا بالخطوة، لكنه يراد لفت الناس إلى قضايا صغيرة، تشغل الرأي العام، وتعدم كل الأصوات الحرة المفترضة، وتعدم أي رصيد، وتقول للناس:” إن هؤلاء الذين يحدثونكم عن الفساد، هاهم متورطون في قضايا أخلاقية!

ثم بالأخير يخسر البلد كثيرا من مصداقيته في محاربة الفساد والريع، ويكرس صورة الاستبداد الناعم الذي أصبح يتفنن للإيقاع بكل صوت منبه، وكل قلم يحذر من اقتراب انفجار اجتماعي، قد يأتي على الأخضر واليابس كما ذهبت لذلك تقارير دولية، وتوقعات استراتيجية.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *