الأولىدوليرأيسياسة

غوريكات: لبنان الأمل

السلطة الرابعة/المغرب

بقلم: يوسف غويركات

لكل ثورة نقطة بداية تنطلق منها، ليست بالضرورة ذات أهمية، إنما هي بالتأكيد تكثيف وتخزين لشرار متوهج متطاير ينبعث من أعماق مشكلات طال أمدها وأزمات تعفنت وما عاد الدواء يفي بعلاجها..
في لبنان، كل شيء ابتدأ لما رأت الحكومة أن هدف تقليص عجز الميزانية إلى 6% يمر حتما عبر الطريق السهل؛ سن ضرائب جديدة، لم تعد جيوب المواطنين تتحملها. ولأن الحكومة أفرطت في تقدير قوتها ونفوذها وسطوتها، بعد قمعها لحركة “طلعت ريحتكم” منذ أربع سنوات، وضعت ضريبة على خدمات الإنترنيت(ستة دولار على تطبيق الوتساب)!! خرج على إثره مئات الآلاف من اللبنانيين للاحتجاج ليس فقط على الزيادة في الضرائب وسياسة التقشف التي تعتزم الحكومة فرضها، بل على مجمل مشكلات لبنان القديمة منها والمستحدثة، عنوانها البارز، كما في جل البلدان التي عاشت مرحلة خريف الاستبداد، محاربة الفساد والاستبداد ومكافحة اقتصاد الريع..
ولكل ثورة، أيضا، حطام ولوافظ تُقدف بها وتُرمى في مزابل التاريخ..
وإن كانت الحركة الاحتجاجية بلبنان لم تأخذ شكلها النهائي بعد، ولا أحد يستطيع الآن التكهن بما ستؤول إليه الأمور في الزمن المنظور. لكن بالتأكيد، سيكون من أجمل وأروع ما سيتحصل منها هو إنهاء مرحلة النظام المبني على المحاصصة الطائفية..
ثلاثون عاما على الوفاق الوطني اللبناني (30 شتنبر 1989) المعروف باتفاق الطائف، تنازلت فيه الدولة عن صلاحياتها في تسيير وإدارة أحوال مواطنيها لصالح رجال الدين وزعماء الطوائف، مما سبب في إعاقة تطور لبنان إذ تسيّس الدين وتديّنت السياسة وما كان ينبغي.. هذا الواقع حجب الرؤية التي كانت واضحة لرواد الفكر وقادة الرأي في لبنان منذ القرن 19وحتى قبله، وهي الإيمان بالإنسان وإمكاناته في إدراك قيمه الإنسانية، العقل، الإرادة، الحق، المحبة، المساواة، التسامح وتحصين الكرامة الإنسانية …
أروع ما يمكن انتظاره من الثورة اللبنانية الجارية، إنهاء مرحلة ولاء السياسيين للإنتماء الطائفي على حساب مصلحة الوطن ككل..
لبنان، بلد ذو خصائص استثنائية، كان ولا يزال مفخرة العرب، بالفكر المستنير الذي ساهم فيه مفكروه بقسط وافر، بالفن الراقي من فيروز إلى شربل روحانا مرورا بمارسيل خليفة وزياد وجورج صقر وغيرهم كثير، بالصمود في وجه العدوان وملحمة المقاومة الباسلة التي شارك فيها اللبنانيون من مختلف الطوائف.. هذا اللبنان، لي اليقين أن له من الإمكانات البشرية والطاقات الإبداعية ما سيؤهله لوضع نظام جديد يتحاشى نواقص الطائفية البغيضة، ويتجاوز مسلماتها الجوهرانية، بقناعة الجميع، خاصة المؤمنين منهم، أن لا قيمة ولا جدوى من الصراع حول ” الحقيقة الدينية” التي لا يعلم كنهها سوى الخالق.. وأن لا ننسى أن الإنسان هو مركز الدين وجوهره وغايته..
ينتظر من اللبنانيين الكثير عمله، وأول ما يُطرح في جدول الأعمال
-المطالبة بانتخاب مجلس تأسيسي أو أي هيأة وطنية متوافق حولها لصياغة دستور جديد موحِّد يضمن حقوق الجميع على أساس المواطنة، ويحظر ويجرم التمييز على أساس الدين..
– وضع جدولة زمنية لإعادة النظر في كل القوانين ذات الخلفية الطائفية وعلى رأسها وضع قانون مدني للأحوال الشخصية..
– سن نظام انتخابي يلغي نظام المحاصصة..
لي كامل اليقين أن لبنان ستنتصر، سينتصر فيها دين الإنسان بدل إنسان الدين.. ستنتصر القيم العليا للإنسان.. لن تعلو فوق سلطة العقل أي سلطة أخرى.. هكذا تبنى حضارة أكثر تسامحا وأجدى تعايشا.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *